أبي طالب المكي

115

علم القلوب

سكران ، وصار عقلي كعقل الصبيان . رجعنا إلى تفسير الآية ، وقد قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أراد اللّه بعبد خيرا أعماه ، وأصمه ، وأخرسه ، وأجهله على غيره » ، صدق صلى اللّه عليه وسلم ، من لا يجهل غيره كيف يعرفه ؟ ومن لا يعمى عن غيره كيف يبصره ؟ ومن لا يصم عن سواه كيف يسمع منه ؟ ومن لا يخرس كيف ينطق معه ؟ . وقال بعضهم : صُمٌّ المشاغيل ، بُكْمٌ عن الأباطيل ، عُمْيٌ عن التماثيل ، فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ البقرة : 171 ] غير خطاب الملك الجليل . وقال بعضهم : صُمٌّ عن الورى ، بُكْمٌ عن الهوى ، عُمْيٌ عن الدنيا ، فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ غير البر والتقوى . وقال آخرون في تفسير الآية بضد من هذا في وصف أهل العمى والجهل ، قيل فيه : صُمٌّ عن النداء ، بُكْمٌ عن الدعاء ، عُمْيٌ عن الوفاء ، فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [ البقرة : 18 ] إلى مقام التوبة والحياء . وقيل : صُمٌّ عن الملامة ، بُكْمٌ عن الندامة ، عُمْيٌ عن السلامة « 1 » ، فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ إلى التقى والإمامة . وقيل : صُمٌّ عن النصيحة ، بُكْمٌ عن الشريعة ، عُمْيٌ عن الرجيحة « 2 » ، فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ عن « 3 » الخزي والفضيحة . الآية الثانية : قال جعفر الخلدى في قوله عز وجل : اللَّهُ الصَّمَدُ [ الإخلاص : 2 ] : هي خمسة أحرف : ألف ، ولام ، وصاد ، [ وميم ] ، ودال . قال : الألف دليل على أحديته ، واللام دليل على إلهيته ، وهما مدغمان لا يظهران على اللسان ويظهران في الكتابة ، فدلت [ ت ] الحكمة في ذلك على [ أن ] أحاديته وإلهيته خفية مستورة الحقيقة ، وإنه لا يدرك بالحواس ، ولا يقاس بالناس ، فخفاؤه في اللفظ دليل على أن العقول لا

--> ( 1 ) أي عن طريق السلامة . ( 2 ) أي عن العمل الراجح عند اللّه . ( 3 ) في الأصل : إلى .